من الثابت فنياً أن المحتوى المنشور على الانترنت عموما وعلى مواقع التواصل الاجتماعي خصوصا قابل للتغيير أو الحذف في أي وقت، لذا، فإنه من الضروري على من يتعرض لجريمة إلكترونية المبادرة فوراً بتثبيت هذا المحتوى المسيء وفق الإجراءات القانونية والفنية المعتمدة، وذلك عبر اللجوء إلى وحدة الجرائم الإلكترونية في ادارة البحث الجنائي، حيث يقوم الموظفون المختصون بضبط الدليل الإلكتروني بأساليب تضمن سلامته وعدم التلاعب به، وعند الانتهاء من ضبطة يصدر عنهم تقرير فني يُثبت محتوى الدليل، وتاريخه، وارتباطه بالمشتكى عليه، مما يمنحه قوة ثبوتية معتبرة أمام القضاء الجزائي.
فما هي إذا قيمة لقطة الشاشة (screenshot)المطبوعة على دعامة ورقية في الإثبات أمام المحاكم الاردنية ؟ بمعنى آخر، هل مجرد لقطة الشاشة (screenshot)لمطبوعة على دعامة ورقية تعتبر دليل كافي ،لإثبات العبارات المسيئة التي تم نشرها او ارسالها على مواقع التواصل الاجتماعي ؟
أولا : ما هي لقطة شاشة الشاشة screenshot) ) ؟
لقطة شاشة هي عبارة عن صورة يكون محتواها هو المحتوى الذي كان معروضا في لحظة معينة على شاشة حاسوب أو شاشة هاتف متنقل مرتبط بشبكة الإنترنت.
ثانيًا:. الشروط والضوابط الواجب توافرها لاعتماد لقطة الشاشة كدليل في الإثبات الجزائي
تُعدّ لقطة شاشة دليلًا مستحدثًا في مجال الإثبات الجزائي، حيث ان الجرائم المرتكبة من خلال المواقع الالكترونية تحتاج الى بينة فنية قاطعة وجازمة على نهوض الجرم بحق المشتكى عليه ويتوجب على المحكمة وفي اطار بحثها في الجرائم التي ترتكب بالاستناد الى قانون الجرائم الالكترونية ان تضع ضوابط التي يتعين توافرها في الدليل المعلوماتي حيث لا يمكن الاعتماد عليها إلا إذا تم تفريغها من قبل وحدة الجرائم الالكترونية (الضابط الأول)، وإذا تم الالتزام بمجموعة من الشروط التقنية التي تضمن سلامتها ومصداقيتها (الضابط الثاني)،ومناقشة الدليل الالكتروني (الضابط الثالث).
الضابط الاول: ان يتم جمع الدليل الرقمي واستخراجه وحفظه وتحريزه بمعرفة منظمي الضبط القضائي وضمن اختصاصهم الوظيفي سندا ً لنص المادة (150) و (151) من قانون اصول المحاكمات الجزائية حتى يكون للضبوط قوة في الاثبات ،وهو ما اكدته محكمة صلح جزاء عمان رقم 23044 لسنة 2023 حيث جاء في قرارها (يتوجب على المحكمة وفي اطار بحثها في الجرائم التي ترتكب بالاستناد الى قانون الجرائم الالكترونية ان تضع الضوابط التي يتعين توافرها في الدليل المعلوماتي ومنها ان يتم جمع الدليل الرقمي واستخراجه وحفظه وتحريزه بمعرفة منظمي الضبط القضائي وضمن اختصاصهم الوظيفي).
حيث ان ميزة جمع الدليل بكافة مراحلة عن طريق منظمي الضبط القضائي، الذين يتمتعون بالخبرة القانونية والتقنية اللازمة ، تكمن في ضمان الحصول على دليل قانوني مقبول يثبت وجود محتوى متنازع عليه على شبكة الإنترنت.
ومن هذا يتبين أن لقطة الشاشة التي يقوم الضحية بإعدادها بنفسه دون تدخل منظمي الضبط القضائي قد لا يعتد بها قانونيًا، وقد تُعتبر غير ذات قيمة في الإثبات الجزائي.
وهذا ما ذهبت إليه محكمة التمييز الموقره في قرارها رقم 946 لسنة 2018 (حيث إن الجرائم الإلكترونية لا تثبت بالشهادة والاعتراف وإنما تثبت من خلال الخبرة الفنية بمعرفة قسم الجرائم الإلكترونية حيث إن الجريمة الإلكترونية هي جريمة ذات طبيعة خاصة مع التطور العلمي والتكنولوجي بحيث أصبح من الممكن أن يتم عمل صور ومقاطع فيديو مدبلجة وبالتالي وللوصول إلى الحقيقة التي تسعى المحكمة للوصول إليها كان لا بد من إجراء الخبرة الفنية اللازمة بمعرفة قسم الجرائم الإلكترونية ولما لم تقم النيابة العامة بإجراء هذه الخبرة المطلوبة فإنها قد عجزت عن إقامة الدليل القانوني القاطع الذي يثبت ارتكاب المتهم للجرم المسند إليه الأمر الذي يتعين معه إعلان براءته من ذلك الجرم لعدم قيام الدليل القانوني القاطع بحقه).
كما اكدت محكمة صلح جزاء شمال عمان على هذا المبدأ الوارد في قرار محكمة التمييز السابق ذكره حيث جاء في قرارها رقم رقم 4823 لسنة 2021 ،( حيث تجد المحكمة بأن المشتكى عليه لم يراجع وحدة الجرائم الالكترونية للقيام بالتتبع الفني الذي قام بارسال الرسائل النصية كما ان المشتكي لم يطلب ضمن قائمة بيناته اجراء الخبرة الفنية لبيان ذلك و انما اكتفى بتقديم ( صورة شاشة ) لتلك المحادثة موضوع الشكوى و بما ورد في شهادته و حيث ان مثل هذه الجرائم لا يتم اثباتها بالشهادة و القرائن و انما تثبت من خلال الخبرة الفنية و ان صور الشاشة المقدمة من قبله تعتبر بينة من صنع الخصم وحيث لم يرد في ملف الشكوى ما يشير إلى أن المشتكى عليهما قد قاما بالفعل المسند اليهما و لم يقدم المشتكي الدليل الفني القاطع بقيام المشتكى عليهما بالجرم المسند اليهما فانه والحاله هذه فان البينة سندا لمحاضر الدعوى قد جاءت قاصرة على شهادته و لقطة الشاشة و عدم قيام الخبرة الفنية بمعرفة خبير فني كونها جريمة ذات طبيعة خاصة فأن البينة و على هذه الحالة قد جاءت قاصرة عن اثبات ارتكاب المشتكى عليهما للجرم المسند اليهما انفا مما يستوجب على المحكمة اعلان برائتهما).
الضابط الثاني: ضرورة الالتزام بمجموعة من الشروط التقنية التي تضمن سلامة ومصداقية لقطة الشاشة:
يمكن تقسيم أدلة الإثبات من حيث مصدرها إلى عدة أنواع، ولعل أبرز هذه الأنواع، والذي يهمنا في هذه الورقة القانونية، هو تقسيمها إلى أدلة مادية وأدلة تقنية.
حيث تعرف الادلة المادية بانها الحالة القانونية التي تنشأ عن ضبط الاثر او المخلفات المادية في مكان الحادث او في حوزة المتهم او تنشأ نتيجة الفحص الفني.
اما الادلة التقنية فهي المعلومات المنطقية التي يتقبلها العقل ويقرها العلم ويكون الحصول عليها عبر إجراءات علمية وقانونية يتم من خلالها استخلاص الدليل بترجمة بيانات مخزنة بالحواسب الآلية وما يلحق بها من وسائط وشبكات اتصال، واستخدام ذلك الدليل في مراحل التحقيق أو المحاكمة لإثبات حقيقة واقعة ما أو أمر يخص أحد طرفي الجريمة.[1]
فالأدلة المادية التقليدية، مثل المستندات أو الأشياء الملموسة، غالبًا ما يمكن تقييمها مباشرة من قبل المحكمة، وتُعتبر أكثر موثوقية لسهولة التحقق من سلامتها ،وصحتها أما الأدلة التقنية أو الرقمية، مثل البيانات المستخلصة من الإنترنت أو لقطات شاشة الحاسوب، فإنها تتميز بطابعها المعقد، ما يجعل قوتها الإثباتية مرتبطة بالالتزام بمجموعة من القواعد والإجراءات التقنية التي تضمن حماية الدليل من التلاعب أو الفقدان، وبالتالي فإن مجرد تقديم او استخراج هذه الأدلة لا يكفي لمنحها قوة إثبات كاملة أمام القضاء.
- ذكر عنوان بروتوكول الإنترنت (IP address). في محضر الضبط
عنوان بروتوكول الإنترنت IP address هو معرف رقمي يُخصص لكل جهاز متصل بالإنترنت، سواء كان حاسوبًا أو هاتفًا ذكيًا أو أي جهاز آخر،هذا العنوان يسمح بتحديد الجهاز على الشبكة وتتبع نشاطاته، وهو من المعلومات الأساسية التي يجب على منظمي الضبط القضائي الإلكتروني تسجيلها في تقرير الخبرة.
وعليه وفي معرض معالجتنا لهذا الشرط يثور تساؤل مهم، هل تُعد لقطات الشاشة (Screenshots) دليلًا كافيًا لإثبات نشاط إلكتروني أو تحديد هوية المستخدم، أم يشترط القانون وجود سجلات الشبكة أو بيانات تقنية أخرى مثل عنوان الـ IP؟
وفي معرض اجابتنا على هذا التساؤل فانه ينبغي التفريق بين حالتين :
الحالة الاولى وهي حالة فيما اذا تم تقديم صور السكرين شوت كبينه امام المحكمة دون تفريغ قانوني لها حيث انه بالرجوع الى الطبيعة التقنية لهذا الدليل نجد ان الـ Screenshot ليست سوى صورة صامته خالية من البيانات التقنية الجوهرية، مثل هوية المرسل الحقيقية، وقت الإرسال الدقيق، عنوان الـ IP، أو معلومات الخادم (Server Logs). وهذه البيانات هي وحدها القادرة ربط هذا الدليل بشخص معيّن وإثبات نسبة الفعل إليه حيث قضت محكمة التمييز في قرارها رقم 3340/2023 على ان (ووجدت المحكمة أن الخبير أورد بتقرير خبرته أن لقطة الشاشة لهاتف ما ، غير معروف لمن أو رقمه وتضمن أيضا ً أن ()قد قام بإطلاق النار على صاحب الهاتف حسب ادعائه بالدردشة ، وبالتالي فإن تقرير الخبرة لم يربط الأثر بمصدره وأنه لم يصل إلى ذاتيه الأثر للدليل الرقمي من حيث تحديد هويته أو رقمه أو مستخدمه ، وبالنتيجة من المرسل ؟).
كما ان محكمة محكمة بداية اربد بصفتها الإستئنافية اكدت على ضرورة تتبع الحساب للحصول على عنوان الـ IP حيث جاء في قرارها رقم 7381/2023 على انه(وحيث ان مثل هذه الجرائم لابد من اثباتها بالدليل القانوني القاطع وهي الخبره الفنيه وتتبع الحساب ومعرفه لمن يعود الحساب المرسله منه العبارات وهو ما لم يتوافر في هذه الدعوى وحيث ان النيابة العامه مكلفه بتقديم الدليل القاطع والجازم على وقوع الفعل ونسبته الى فاعله وتقدم ادله يقينيه اقناعيه في الدعوى وهو ما لم يتوافر في هذه الدعوى وتكون النيابه العامة قد قصرت بتقديم البينه).
وهذا ما قضت به محكمة صلح جزاء شمال عمان في قرارها رقم 3222/2022، والتي اكدت على موضوع التتبع الفني حيث جاء في قرارها (تعرف الجريمة الالكترونية بأنها الجريمة التي يكون فيها نظام المعلومات في الحاسب الالي او الشبكة المعلوماتية محلها او وسيلة ارتكابها أي انها مجموعة الأفعال و الاعمال غير القانونية التي تتم عبر معدات او أجهزة الكترونية او شبكة الانترنت او تبث عبر محتوياتها و انه قد يكون الكمبيوتر هدفا للجريمة او قد يكون الكمبيوتر مكان الجريمة او قد يكون الكمبيوتر أداة الجريمة ( انظر قرار رقم 477 لسنة 2014 محكمة استئناف عمان الموقرة تاريخ 13 / 1 / 2014 ) وعليه و حيث تجد المحكمة بأن المشتكى عليه لم يراجع وحدة الجرائم الالكترونية لبيان — الرقم او القيام بالتتبع الفني الذي قام بارسال الرسائل النصية كما ان المشتكي لم يطلب ضمن قائمة بيناته اجراء الخبرة الفنية لبيان ذلك و انما اكتفى بتقديم (صورة شاشة ) لتلك المحادثة موضوع الشكوى و بما ورد في شهادته و حيث ان مثل هذه الجرائم لا يتم اثباتها بالشهادة و القرائن و انما تثبت من خلال الخبرة الفنية بمعرفة قسم الجرائم الالكترونية باعتبار ان الجريمة الالكترونية جريمة ذات (طبيعة خاصة ( انظر قرار رقم 946 لسنة 2018 محكمة التمييز الموقرة الموقرة تاريخ 17 / 4 / 2018 وحيث لم يرد في ملف الشكوى ما يشير إلى أن المشتكى عليه قد قام بالفعل المسند اليه و لم يقدم المشتكي الدليل الفني القاطع بقيام المشتكى عليه بالجرم المسند اليها فانه والحاله هذه فان البينة سندا لمحاضر الدعوى قد جاءت قاصرة على شهادته لدى المدعي العام و لقطة الشاشة و عدم قيام الخبرة الفنية بمعرفة قسم الجرائم الالكترونية باعتبار ان الجريمة الالكترونية جريمة ذات طبيعة خاصة فأن البينة و على هذه الحالة قد جاءت قاصرة عن اثبات ارتكاب المشتكى عليه للجرم المسند اليه انفا مما يستوجب على المحكمة اعلان برائته).
اما الحالة الثانية فهي اذا ما تم اللجوء فورا الى وحدة الجرائم الالكترونية وان الدليل ما زال منشورا على مواقع التواصل الاجتماعي، وفي هذه الحالة، يمكن للجهة المختصة، توثيق المحتوى توثيقاً رسمياً وفق إجراءات الضبط الرقمي، والحصول ايضا علىعنوان الـ IP الذي تم من خلاله إنشاء الحساب أو تسجيل الدخول إليه أو نشر المحتوى.
حيث اكدت محكمة صلح جزاء عمان في قراراها رقم 23044 لسنة 2023 ضرورة مشاهدة المنشور من قبل منظمي الضبط،وانه لا تكفي لقطات الشاشة لأثبات الجرم حيث جاء في قرارها (ان لقطة الشاشة وحدها لا تصلح اساسا ً للإدانة بل كان يتوجب على النيابة العامة ان تثبت انه تم مشاهدة المنشور من قبل منظمي الضبط على حساب المشتكى عليها لا سيما ان الجرائم المرتكبة من خلال المواقع الالكترونية تحتاج الى بينة فنية قاطعة وجازمة على نهوض الجرم بحق المشتكى عليه).
- اجراء الخبرة الفنية على لقطات الشاشة التي تقدم مباشرة للمحكمة او للمدعي العام دون تفريغ قانوني للتاكد من عدم العبث بها او التعديل عليها حيث اعتبرت بعض المحاكم ان صور الشاشة المقدمة من المشتكي تعتبر بينة من صنع الخصم حيث جاء في قرار محكمة صلح جزاء شمال عمان 4823/2021 على (ان صور الشاشة المقدمة من قبل المشتكي تعتبر بينة من صنع الخصم ) ، كما جاء في الحكم رقم 23044 لسنة 2023 صلح جزاء عمان(ان مثل هذه اللقطة قد تتعرض الى المحو والتحريف والاضافة ومثل هذه البينة لا يرتاح ضمير المحكمة لها في الادانة اذ ان الشك اذا تطرق الى الدليل فسد به الاستدل ، مما يتعين إعلان براءة المشتكى عليها).
الضابط الثالث :مناقشة الدليل الالكتروني الذي يتضمن لقطات شاشة ويقصد بهذا الشرط أن يطرح الدليل في جلسات المحاكمة ليتم مناقشته، سندا لأحكام المادة 148/1 من قانون اصول المحاكمات الجزائية حيث أن لقطات الشاشة المقدمة في الدعوى، تعد جزءًا أساسيًا من الوقائع محل النزاع ويستدعي التحقق المباشر من صحتها ومصداقيتها وعليه، فإن تقديم هذا الدليل بصيغته الرقمية أو المطبوعة دون مناقشته أمام المحكمة وبحضور الأطراف المعنية يُعد إخلالًا بمبدأ الشفافية والحق في الدفاع المنصوص عليه قانونًا.
محمد البشري ، التحقيق في الجرائم المستحدثة – ط1 – جامعة نايف للعلوم الأمنية / المملكة العربية السعودية – 2004 – ص 234.[1]


